فى عام 1923 تشكلت لجنة لوضع أول دستور مصرى.. إلا أن الوفد (حزب الأغلبية آنذاك) أعلن مقاطعته لهذه اللجنة لأنها تشكلت بالتعيين وليس بالانتخاب الحر. وبالرغم من ذلك فقد ضمت اللجنة مجموعة من أفضل العقول المصرية وشهدت سجالا سياسيا وفكريا رفيعا حول البنود المقترحة للدستور المصرى.. وقد ارتفعت أصوات تنادى بالتمثيل النسبى للأقباط، بمعنى أن يكون للأقباط دائما نسبة معينة من المقاعد فى المجالس النيابية والمحلية. تحول الاقتراح بسرعة إلى قضية رأى عام كبرى.. المؤيدون للتمثيل النسبى كانوا يريدون إنصاف الأقباط وتفويت الفرصة على التدخل البريطانى فى مصر بحجة حماية الأقليات، أما المعارضون فكانوا يرفضون اعتبار الأقباط أقلية دينية بل يعتبرونهم مواطنين مصريين يجب أن يتم تقييمهم بمعيار الكفاءة وحدها.. المدهش أن معظم من عارضوا التمثيل النسبى كانوا أقباطا.. فبالإضافة إلى الدكتور طه حسين المسلم عارض الاقتراح المفكر سلامة موسى والأستاذ عزيز ميرهم، الذى جمع توقيع خمسة آلاف قبطى من المعارضين والقمص بطرس عبدالملك رئيس المجلس الملى العام ورئيس الكنيسة المرقسية الكبرى وأقباط آخرون كثيرون. وهكذا سقط الاقتراح ليسجل الأقباط واحدة من أعظم الوقائع فى تاريخنا الحديث عندما رفضوا التمتع بامتيازات طائفية تحت أى مسمى..
تذكرت هذه الواقعة وأنا أقرأ عن مذبحة نجع حمادى البشعة، التى راح ضحيتها ستة أقباط تم قتلهم بالرصاص أثناء خروجهم من الكنيسة يوم العيد.. السؤال لماذا رفض الأقباط منذ 90 عاما أن يتمتعوا بأى امتياز طائفى، ولماذا يذبحون اليوم فى ليلة عيد الميلاد على أبواب الكنائس.؟!… هذه فى رأيى بعض أسباب الأزمة:
أولا: يؤكد لنا تاريخ مصر أن الفتنة الطائفية تنتشر دائما فى أوقات الإحباط القومى. فى بداية القرن العشرين انتابت المصريين حالة من اليأس بسبب الاحتلال البريطانى سرعان ما تحولت إلى فتنة طائفية قبيحة (لعبت فيها الأصابع البريطانية كالعادة)، ووصلت إلى ذروتها منذ 1908 وحتى 1911 ولكن ما أن جاءت ثورة 1919 حتى انصهر فيها الجميع بل إن بعض الأقباط مثل القمص سرجيوس كانوا من دعاة الفتنة فتحولوا مع الثورة إلى أكبر المدافعين عن الوحدة الوطنية. فى مصر الآن الكثير من الإحباط والكبت والفقر والظلم، كل هذه العوامل تؤدى بالمصريين إلى التناحر الطائفى.. تماما كما تؤدى بهم إلى العنف والجريمة والتحرش الجنسى.
ثانيا: فى عام 1923 عندما رفض الأقباط الامتيازات الطائفية وبالرغم من الاحتلال البريطانى، كانت مصر تناضل لتؤسس دولة مدنية ديمقراطية يتساوى فيها المواطنون جميعا أمام القانون.. كانت هناك قراءة مصرية متسامحة للإسلام أسس لها الإمام المصلح محمد عبده (1849ــ 1905). الذى استطاع أن يخلص العقل المصرى من الخزعبلات والتعصب. فشهدت مصر نهضة حقيقية فى كل المجالات مثل تعليم المرأة والمسرح والسينما والأدب ولكن منذ نهاية السبعينيات، بدأت مصر تعرف فهما آخر للاسلام، الفكر السلفى الوهابى المتشدد الذى اصطلح الفقهاء المصريون على تسميته بفقه البداوة.. وقد ساعد على انتشار الفكر الوهابى عدة عوامل، أهمها ارتفاع سعر النفط بعد حرب أكتوبر مما أعطى للجماعات السلفية قدرات مالية غير مسبوقة استعملتها فى نشر أفكارها فى مصر والعالم، كما هاجر ملايين المصريين للعمل فى دول الخليج وعادوا بعد سنوات مشبعين بالأفكار الوهابية، وقد انتشر هذا الفكر برعاية مؤكدة من أجهزة الأمن السياسى فى مصر، التى تعاملت دائما مع مشايخ السلفيين بتسامح كامل بعكس القمع الشديد، الذى تمارسه ضد الإخوان المسلمين.. والسبب فى ذلك أن السلفية الوهابية، تساعد على ترسيخ حكم الاستبداد لأنها تدعو المسلمين إلى طاعة الحاكم وتحرم الخروج عليه ما دام مسلما..
المشكلة إن الأفكار الوهابية تحمل رؤية معادية للحضارة بمعنى الكلمة، ففى ظلها يكون الفن حراما والموسيقى والغناء حراما والسينما والمسرح حراما والأدب كذلك.. الفكر الوهابى يفرض على المرأة العزلة خلف النقاب أو البرقع التركى، الذى تحررت منه المرأة الم











