شك أن العالم العربى شهد خلال السنوات الأخيرة تقدما ملحوظا للنشاط الصحفى والإعلامى بشكل عام، بدت الفضائيات سواء الإخبارية أو العامة هى الجزء الأكثر بروزا ووضوحا منه.
ولا شك أيضا أنه فى ظل ذلك النشاط المتزايد بدت مساحات الحرية المتاحة للعمل الصحفى والإعلامى فى معظم بلدان العالم العربى آخذة فى الاتساع والعمق بما شكل مشهدا صحفيا وإعلاميا عربيا جديدا لم يكن موجودا من قبل.
ولا شك كذلك فى أن الأزمات والقضايا الخطيرة الحرجة التى يمر بها العالم العربى والعالم كله خلال السنوات الماضية كانت هى السبب الرئيسى وراء تلك الحيوية التى تدفقت فى شرايين وسائل الإعلام والصحافة العربية، فأهمية تلك الأزمات والقضايا هى التى دفعت تلك الوسائل لاكتساب مزيد من الحرفية ووسعت هوامش الحرية التى كانت متاحة لها وجذبت لها مزيدا من المتابعين لها.
إلا أن كل ذلك لا يعنى على الإطلاق أن الإعلام والصحافة فى العالم العربى قد وصلا إلى ما يجب أن يكونا عليه فى مفتتح الألفية الثالثة أو أنهما باتا يلبيان بالفعل كل حاجات المجتمعات العربية لهما. فلا يزال الإعلام والصحافة العربيان يعانيان من مشكلات حقيقية تحول دون تحقيقهما المستوى الأمثل المنشود لهما والقيام بالدور المهم المنوط بهما دون حلها وتجاوزها.
والحقيقة فإن هناك اختلافا فى نوعية وحجم المشكلات التى تواجه الإعلام عموما وتلك التى تواجه الصحافة المكتوبة خصوصا، فمن الواضح أن الإعلام الإلكترونى والمرئى أقل معاناة من الصحافة المكتوبة التى تواجه بطبيعتها الخاصة مشكلات أكثر تعقيدا من ذلك الإعلام.
وربما تكون أبرز تلك المشكلات هى المنافسة الهائلة التى بات الإعلام المرئى والإلكترونى يمثلها بالنسبة للصحافة المكتوبة فى ظل عالم أصبح يتسم بدرجة هائلة من التغير السريع المتوالى على جميع الأصعدة، بما يعطى ميزة نسبية كبرى لهما عن الصحافة المكتوبة التى أصبح عليها السعى لتجاوز تلك الفجوة الزمنية الخطيرة.
وبالإضافة لتلك المشكلة الرئيسية التى تجتهد الصحافة المكتوبة من أجل تجاوزها، تظل مشكلة حرية وصول تلك الصحافة إلى المعلومات المدققة الموثقة واحدة من أبرز مشكلاتها، حيث تجتمع عليها كثير من القوانين والتقاليد فى معظم بلدان العالم العربى التى تحول دون تلك الحرية الأساسية لأى صحافة حرة وفعالة.
وعلى الرغم من قيام بعض البلدان العربية بإصدار تشريعات فى الآونة الأخيرة تسهل حصول الصحفيين على المعلومات من مصادرها الأصلية، إلا أن الواقع العملى يشير إلى استمرار تخوف الجهات الرسمية والحكومية من فتح أبوابها وملفاتها أمامهم، الأمر الذى لم يعط تلك التشريعات تأثيرا حقيقيا فى الممارسة الواقعية.
فالصحفيون يعانون فى معظم البلدان العربية من مشكلات حقيقية فى سعيهم للحصول على المعلومات اللازمة لمعالجة الموضوعات التى يعالجونها فى عملهم الصحفى، وهو الأمر الذى دعا بهم إلى المطالبة الدائمة بأن يكون توفير هذه المعلومات بشفافية ويسر إحدى الخطوات الضرورية لتحقيق حرية الصحافة.
ومن الواضح من واقع تأمل مختلف التجارب العربية فى هذا المجال أن هناك حاجة حقيقية لوضع تشريعات قانونية تتيح للصحفى والإعلامى حرية الحصول على المعلومات بسهولة وتحافظ على حرية تداولها ووضع آلية قانونية للتجريم والمحاسبة عن حجب المعلومات عن الصحفى من جانب أى جهة حكومية أو عامة وحظر فرض أى قيود تعوق حرية تدفق المعلومات، مع عدم الإخلال فى نفس الوقت بمقتضيات الدفاع والأمن القومى ووضع عقوبات على الصحف والصحفيين الذين يخلون بهذه المقتضيات.
من ناحية أخرى فبالرغم من التقدم المتواصل للبشرية فى المجالات المتعلقة بالحقوق والحريات الخاصة والعامة، يظل الحوار قائما بدرجات مختلفة فى مجتمعاتنا العربية حول الحدود التى يجب ألا تتعداها هذه الحريات والمدى الذى يمكن أن تصل إليه بدون أن تسبب الضرر للآخرين أو مصالحهم.
وفى قلب ذلك الحوار تظل القضية الأكثر سخونة هى المتعلقة بحرية الرأى والتعبير وما يجب أن يحيط بها من ضوابط أو قيود بحيث لا تتحول إلى وسيلة لتدمير أو تشويه الآخرين والإضرار بمصالحهم. والحقيقة أن حرية الرأى والتعبير تعتبر من الحريات الأساسية التى لا تقوم قائمة لأى نظام ديمقراطى بدونها، كما أن الانتقاص منها هو بمثابة انتقاص من مبادئ الحكم الديمقراطى، فضلا عن أن البعض يراها الخصلة التى تميز الإن












