Yahoo!

الله أكبر .. ولله الحمد

مدونة  : أ. بدر محمد بدر

        للصحافة والإعلام

 


لماذا مرجعية الأزهر الشريف؟..

أكتوبر 30th, 2011 كتبها badrm2003.maktoobblog.com نشر في , مقالات د. محمد عمارة

 

 

لماذا مرجعية الأزهر الشريف؟

بقلم د. محمد عمارة

مفكر إسلامي 

منذ أن أشرقت شمس الإسلام علي هذا الوجود ــ قبل أربعة عشر قرنا ــ أصبح المسجد الحرام ــ بيت الله العتيق ــ أي الحر الذي لم يخضع لجبار عبر التاريخ ــ أصبح هذا البيت العتيق القبلة التي تهوي إليها أفئدة المسلمين في الشعائر والعبادات.

ومنذ ما يزيد علي ألف عام, أصبح الأزهر الشريف مناره العالم الإسلامي, وقبلة العقل المسلم, التي حافظت علي الشريعة الإسلامية وعلومها, وعلي اللغة العربية وعلومها وآدابها.. أي علي الهوية الحضارية للأمة.. فإلي هذا الأزهر الشريف يحج طلاب العلم من مختلف بقاع ديار الاسلام, علي اختلاف قوميات هذه الديار.. ومنه تتوالي وفود العلماء إلي مختلف الأنحاء, لتبليغ الدعوة.. وإقامة الحجة.. وإزالة الشبهات.. ومع تعدد دور الإفتاء بتعدد أقطار العالم الاسلامي, إلا أن فتاوي الأزهر وهيئة كبار العلماء فيه قد ظلت هي الكلمة الفصل في عالم أهل السنة والجماعة, الذين يمثلون 90% من أمة الإسلام.. وهكذا جسد الأزهر الشريف, في ميادين العلوم والمعارف الاسلامية, الأمية الانسانية التي أقامها الإسلام. قبل أن تعرف الحضارات الأخري أي لون من ألوان الأمميات.

وإلي جانب رعاية الأزهر الشريف لعلوم الحضارة الاسلامية ــ الدينية والدنيوية ــ ونهض بدور رائد في الحفاظ علي هوية الأمة الثقافية والحضارية, ضد مخاطر العجمة.. والتتريك.. والفرنسة.. والجلنزة.. والروسنة.. وقلل تأثيراتها السلبية والضارة إلي حد كبير.

وعلي الجبهة الفكرية, جسد الأزهر نهج الإسلام في التعددية والوسطية الجامعة, فاحتضن مذاهب السلف والخلف ــ للحفاظ علي التواصل الحضاري ــ وربي طلابه علي الاستقلال الفكري عندما أتاح لهم حرية اختيار المذهب.. والكتاب.. والتخصص.. والأستاذ.. وهو النهج الذي سبق فيه الأزهر كل جامعات الدنيا.
ومع الحفاظ علي الهوية الحضارية للأمة الإسلامية, نهض الأزهر بدور رائد وقائد في الحفاظ علي الاستقلال الوطني لبلاد العالم الاسلامي.. فكان الحارس الأمين للجهاد في مواجهة غزوات الصليبيين.. والتتار… والاستعمار الغربي الحديث والمعاصر..
كذلك نهض الأزهر بدور كبير في محاربة الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي والخلل الإداري, إذ كان الموئل والمثابة للجماهير الغاضبة والثائرة والمنتفضة من أجل العدل والحرية والكرام

المزيد


التجديد الانقلابي ..

يوليو 17th, 2011 كتبها badrm2003.maktoobblog.com نشر في , مقالات د. محمد عمارة

 

بقلم د. محمد عمارة

مفكر إسلامي

كان الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت (1310-1383هـ/ 1893-1963م) داعية للتجديد . بل وللتجديد الانقلابي كما سماه وكان من رأيه أن هذا التجديد الانقلابي هو الذي يملأ الفضاء الإسلامي فيحمي العقل المسلم من الغزو الفكري الذي يهدد هوية الأمة ووجودها. لقد أراد للأزهر تجديدا انقلابيا (لكنه انقلاب للنفوس الغيورة على ماضيها، المتطلعة إلى مستقبلها.

انقلاب يصل بالعقلية الأزهرية إلى الفكر الأصيل يوم كان خالصا في موقفه من القرآن،وفي تعبيره عن تعاليم القرآن وهو في الوقت نفسه يربط العقلية الأزهرية أو الفكرة الإسلامية السليمة بالحياة الواقعية التي يعيش فيها العالم اليوم، والتي تتجاذبها تيارات فكرية متعارضة يجب أن يقف العقل الأزهري أمامها ليقي الجماعة الإسلامية غزوها وليحفظها من الانحلال والذوبان في غيرها).

فالتجديد الانقلابي برأي الشيخ شلتوت هو الذي يعود بالعقل المسلم إلى الأصول والمنابع الجوهرية والنقية وذلك حتى يفقه هذا العقل الواقع المعيشي في ضوء مناهج وضوابط وقواعد هذه الأصول ليملأ بهذه الأصولية المتجددة فضاءنا الفكري بدلا من تركه فراغا يتمدد فيه الغزو الفكري الآتي لنا من حضارة مادية لا دينية.

بل لقد رأى الشيخ شلتوت في هذا التجديد الذي يحمي عقلنا المسلم من الغزو الفكري الشرط والسبيل إلى زعامة الأمة الإسلامية وقال: إن سبل أمتنا إلى الزعامة هو مقاومة الغزو الفكري الوافد إلينا عن طريق الاستشراق والإلحاد، هذا الفكر الذي من شأنه أن يزعزع القيم الإسلامية في النفوس وأن يمزق وحدة المسلمين والعرب عن طريق الغزو العقلي والاستعمار القبلي.

وإن من يتتبع تاريخ الغزو الاقتصادي والسياسي لا يكاد يجده إلا نتيجة وأثرا لهذا الغزو العقلي الذي يملك على الناس قلوبهم ويصرفهم عن أنفسهم إلى ما يريد ولا يظن ظان أننا بهذا نسد على أنفسنا مجال الانتفاع لما قد يكون من نتائج البحث الأجنبي الدقيق في مظاهر الحياة العامة

المزيد


تحويل ” الفكر الصحيح ” إلى عمل صريح..

يوليو 10th, 2011 كتبها badrm2003.maktoobblog.com نشر في , مقالات د. محمد عمارة

 

بقلم د. محمد عمارة

مفكر إسلامي

إن مخالفة الفعل للقول وتناقض الممارسات مع الأفكار هو نوع صريح للخيانة للمقولات والأفكار وهذه الخيانة تتصاعد مخاطرها وتتزايد أوزارها عندما تكون خيانة للوحي الإلهي ونبأ السماء العظيم وصحيح السنة النبوية الشريفة التي جاءت بياناً لهدي القران الكريم.

ولهذه الحقيقة كان إلحاح القران الكريم على أن تتسق أقوال المؤمن مع ما يأتي به من أفعال بل وعلى أن يضع المؤمن الأقوال والمبادئ والأفكار في الممارسة والتطبيقيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تفعلون” (الصف 2/3.

وعلى امتداد سور القرآن الكريم وآياته يقترن الإيمان الذي هو تصديق قلبي بالعمل الذي هو ممارسة تجسد هذا الإيمان في الواقع والتطبيق.

ولأن السنة النبوية هي البيان النبوي للبلاغ القرآني كانت المساحة الأكبر من هذه السنة هي السنة العملية التي مثلت التطبيق النبوي للإسلام في ميادين العبادات والمعاملات والأخلاق .. بل إن هذه السنة العملية التي مارسها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم وصحابته رضوان الله عليهم والتابعون وتابعو التابعين وأجيال الأمة من بعدهم على مر التاريخ هذه السنة العملية هي التي حاز توحدها مرتبة التواتر وأعلى درجات الصدق والموثوقية بين المأثورات والمرويات ومن هنا كان تقديم الإمام مالك (63-179هـ/712-795م) رضي الله عنه عمل أهل المدينة الذي هو سنة عملية على مأثورات ومرويات الأقوال والأفكار.

وإذا كانت القدوة الأولى والأسوة الأعظم والنموذج الأمثل للمسلم هو رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم فإن سيرة هذا الرسول الكريم قد كانت هي التفسير الحي والعملي لكل عقائد الإسلام ومبادئه وأركانه وقيمه وواجباته وسننه ومستحباته .. كان النبي صلَّى الله عليه و

المزيد


المدفع والإنجيل..

يوليو 3rd, 2011 كتبها badrm2003.maktoobblog.com نشر في , مقالات د. محمد عمارة

 


بقلم د. محمد عمارة

مفكر إسلامي

أمريكا ـ وفق دستورها ـ دولة علمانية.. تفصل الدين عن السياسة.. لكن اليمين الديني ـ المسيطر على الحزب الجمهورية ـ يجعل من إسرائيل "كيانًا إلهيًا" و"تجليًا سماويًا" ـ وليست كيانًا سياسيًا ككل الدول الأخرى.. لأنها الشرط الديني لعودة المسيح ـ عليه السلام ـ كي يحكم الأرض ألف سنة سعيدة، وفق الرؤى والتفسيرات الأسطورية للأصولية البروتستانتية الأمريكية والغربية.. وهنا يلعب الدين الدور الأول في حماية الاغتصاب الصهيوني لأرض فلسطين.. ويتزامل وعد البروتستانتية البريطانية لروتشيلد (1845 ـ 1974م) واليهود سنة 1917م ـ وعد بلفور (1848 ـ 1930م) ـ مع وعد الرئيس بوش لشارون واليهود سنة 2004م.. وخطابه بالكنيست في الذكرى الستين لقيام إسرائيل ولموقع العراق.. وللتحريض الصهيوني ضده.. غزت أمريكا العراق سنة 2003م.. لتحقيق السيطرة الإمبريالية الأمريكية على الشرق وبتروله، ولضمان الهيمنة الصهيونية على الشرق العربي والإسلامي.. وهنا تزاملت ـ في فكر اليمين الديني الأمريكي ـ العقائد الدينية والمصالح الإمبريالية..

ولقد نشرت مجلة "نيوزويك" الأمريكية، في عددها الصادر في 11 مارس سنة 2003م ـ إبان الغزو الأمريكي للعراق ـ "أن الرئيس بوش قد أقنع نفسه بأن حرب على العراق هي حرب عادلة، وفق المفهوم المسيحي، كما شرحه القديس أغسطين (354 ـ 470م) ـ في القرن الرابع ـ وكما فصّله كل من القديس توما الأكويني (1225 ـ 1274م) ومارتن لوثر (1483 ـ 1546م) وآخرون!..

وأنه ـ أي بوش ـ قد نبس كلمة "الأشرا

المزيد


على طريق الخيانة !!

يونيو 12th, 2011 كتبها badrm2003.maktoobblog.com نشر في , مقالات د. محمد عمارة

 

 

 

كان اليهود العبرانيون بالمدينة المنورة -في السنوات الأولى من قيام دولة النبوة- يتربصون بهذه الدولة الدوائر، حريصين على هزيمتها أمام الشرك الوثني، عاملين على تأليب القبائل الوثنية على محاربة الإسلام والمسلمين -رغم التعاقد الذي عقده معهم المسلمون-؛ كي يعيشوا في إطار هذه الدولة الإسلامية، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.

 

ولذلك، انتهز يهود بني النضير فرصة هزيمة المسلمين في موقعة أحد -7 شوال سنة 3هـ/ 23 مارس سنة 625م- فنقضوا عهدهم مع الدولة الإسلامية بعد أشهر من هذه الهزيمة سنة 4هـ.. لقد كان بينهم وبين المسلمين عهد أن "يتعاونوا في أداء الديات"، فنقضوا هذا العهد. وعندما ذهب إليهم الرسول  يدعوهم للوفاء بتعهداتهم، رفضوا بل وتآمروا على قتله!.. فكان حصار المسلمين لهم، حتى خرجوا من ديارهم بعضهم إلى "خيبر"، وبعضهم إلى الشام.

 

وبخروج بني النضير من ديارهم سنة 4هـ بعد خروج بني قينقاع -عقب خيانتهم سنة 3هـ-، لم يبق بالمدينة من اليهود العبرانيين سوى يهود خيبر، التي تحولت إلى مركز للتآمر على الإسلام والمسلمين!! ومعهم يهود بني قريظة القاطنين حول المدينة المنورة.

 

فلماذا اجتمعت قبائل الشرك والوثنية لحصار المدينة المنورة في غزوة الخندق -ذي الحجة سنة 5هـ/ سنة 923م- واشتد الحصار على المسلمين؟ حتى بلغ حالهم تلك الصورة التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا

المزيد


القدس والمسلمين..

يونيو 5th, 2011 كتبها badrm2003.maktoobblog.com نشر في , مقالات د. محمد عمارة

 

د. محمد عمارة

مفكر إسلامي

قبل الإسلام، رزحت القدس تحت الاحتلال الروماني البيزنطي لأكثر من عشرة قرون، وذلك ضمن رزوح الشرق تحت هذا الاحتلال منذ الإسكندر الأكبر (356 - 323 ق. م) -في القرن السابع قبل الميلاد- وحتى التحرير الإسلامي في القرن السابع للميلاد.

وإبان هذه القرون العشرة كانت القدس -التي بناها العرب اليبوسيون في الألف الرابعة قبل الميلاد- محتكرة للرومان وحدهم، سواء أكان ذلك في عصر وثنيتهم أو في عصر نصرانيتهم.

ولقد كان الفتح الإسلامي للقدس سنة 15هـ/ 636م بداية صفحة جديدة ومشرقة في تاريخ هذه المدينة المقدسة، التي باركها الله للعالمين -كل العالمين- حتى قبل عصر أبي الأنبياء الخليل إبراهيم u في القرن التاسع عشر قبل الميلاد {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}[الأنبياء: 71]؛ فالمسلمون هم الذين جعلوا اسمها عنوانًا على قدسيته فسموها القدس.. والقدس الشريف.. والحرم القدسي الشريف.. بعد أن كان اسمها "إيليا الكبرى".

والمسلمون هم الذين عاملوها -منذ اللحظة الأولى- معاملة "الحرم" الذي لا يجوز فيه القتال ولا إسالة الدماء.. فحاصروها حتى صالح أهلها، واستجابوا لمطلب البطرك النصراني صفر ونيوس (17هـ/ 638م) أن لا يتسلم مفاتيحها إلا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (40 ق.هـ- 23هـ/ 584- 644م)، فسار عمر من المدينة إلى القدس وتسلم مفاتيحها، وكتب لأهلها "العهد العمريّ"؛ وثيقة تاريخية في الحقوق الدينية والمدنية للإنسان.

 

المزيد


القدس..

مايو 29th, 2011 كتبها badrm2003.maktoobblog.com نشر في , مقالات د. محمد عمارة

 


د. محمد عمارة

مفكر إسلامي

القدس - والحرم القدسي - والقدس الشريف - أولى القبلتين.. وثالث الحرمين.. ومسجدها الأقصى ثالث المساجد التي لا تشد الرحال للصلاة فيها إلا إليها.. هذه القدس -في الرؤية الإسلامية والعقيدة الإسلامية والسياسة الإسلامية- ليست مجرد أرض محتلة، ومدينة مغتصبة.. وإنما هي -مع ذلك وفوقه وقبله وبعده- جزء من العقيدة الإسلامية، فضلاً عن الحضارة والتاريخ؛ ذلك لأنها حرم مقدس، ربط القرآن الكريم بينها وبين الحرم المكي عندما تحدث عن معجزةالإسراء والمعراج: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء: 1]. فهي -في الدين والعقيدة- رمز للرباط المقدس مع الحرم المكي الشريف، يجسد عقيدة الإسلام في وحدة دين الله منذ آدم إلى محمد (عليهم الصلاة والسلام).. وذلك بربط القبلة الخاتمة -المسجد الحرام- الذي هو أول بيت وضع للناس في الأرض، والذي أقام قواعده وجدده وطهره أبو الأنبياء إبراهيم الخليل u، ربط هذه القبلة المكية بالقدس الشريف (قبلة النبوات السابقة على النبوة الخاتمة لرسول الإسلام عليه الصلاة والسلام).

ولقد تجلت هذه المكانة المقدسة للحرم القدسي الشريف منذ بدأ تاريخها الإسلامي سنة 15هـ/ 636م، عندما عاملها المسلمون -يومئذٍ- وعلى مر التاريخ معاملة "الحرم" الذي لا يجوز فيه القتال وإسالة الدماء.. ولهذه العقيدة الإسلامية في تميز الحرم وخصوصية التعامل معه، فتح المسلمون الحرم المدني بالقرآن الكريم، وفتحوا مكة سلمًا رغم ما صنع أهلها المشركون بالإسلام والمسلمين، حتى لقد دخلها الرسول الفاتح 

المزيد


سنة التدرج في الإصلاح ( 3 )..

مايو 22nd, 2011 كتبها badrm2003.maktoobblog.com نشر في , مقالات د. محمد عمارة

 


 

بقلم د. محمد عمارة

مفكر إسلامي

غير أن حماسه للإصلاح واستعداده للفداء والاستشهاد في سبيله لم يدفعه إلى محاولة إتمامه فجأة وطفرة، وإنما سلك إليه سبيل التدرج ودافع عن هذا المنهاج في التغيير في حواره مع ابنه عبد الملك الذي كان يتعجل التغيير والإصلاح فقال لأبيه: "يا أبت، ما لك لا تنفذ في الأمور؟! فوالله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور!". فرد عليه عمر بن عبد العزيز، بحكمة رجل الدولة وخبير الإصلاح والفقيه في سنة التغيير التدريجي قائلاً: "لا تعجل يا بني! فإن الله تعالى ذم الخمر في القرآن مرتين وحرّمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدَعوه وتكونَ فتنة".

فلقد كان هذا الراشد العادل واعيًا بسنة الله في التدرج بالإصلاح والتغيير العادل، وعارفًا بضرورات التعايش مؤقتًا مع مقادير من الجور والظلم والفساد حتى يحين الحين فيحل بالتغيير التدريجي محلها بدائل العدل والإصلاح، بل لقد تحدث صراحة عن هذه الحقيقة من حقائق سنة التغيير، فقال: "إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمرًا من العدل فأخاف ألا تحتمله قلوبهم، فأخرج معه طمعًا من طمع الدنيا، فإن نفرت القلوب من هذا سكنت إلى هذا فهو هنا يتجاوز هذا المستوى إلى الحديث عن مستوى آخر، وهو "تغليف" العدل بشيء من "طمع الدنيا"، كي تتقبله النفوس التي "تغلفت" بقيم الاجتماع الفاسد والجائر الذي طرأ على حياة الناس.

وتلك -لعمري- عبقرية في فقه التدرج بالتغيير جسدتها تجربة الراشد الخامس والمجدد الأول عمر بن عبد العزيز، وعبّرت عنها كلماته الراشدة الحكيمة في فلسفة هذا المنهاج، وجسدتها تجربته العملية التي ما زالت مضيئة في تاريخ الإصلاح الإسلامي، تستحث خُطَا المصلحين على هذا الطريق.

تلك هي سنة التدرج كما تجلت في السنن الإلهية الكونية في خلق العالم وخلق الإنسان، والسنن الإلهية التاريخية في الوحي بالشرائع السماوية الهادية للإنسان، والتطبيقات النبوية لسنة التدرج هذه في الاجتماع الإسلامي بالدولة الإسلامية الأولى، والإصلاح الإسلامي الراشد كما تمثل في تجربة الراشد الخامس والمجدد الأول عمر بن عبد العزيز.

إن إعمال هذه السنة الإلهية الكونية في ميدان الإصلاح والتغيير للواقع الإسلامي الراهن الذي أفسد التغريب الكثير من نواحي فكره وثقافته

المزيد


سنة التدرج في الإصلاح ( 2 )..

مايو 15th, 2011 كتبها badrm2003.maktoobblog.com نشر في , مقالات د. محمد عمارة

 


 

بقلم د. محمد عمارة

مفكر إسلامي

وإذا كنا قد أشرنا إلى سنن التدرج في الإصلاح الديني، فإن لرسول الله  حديثًا أراه من جوامع الكلم التي عبرت عن فلسفة السنّة الحاكمة لكل ألوان التغيير الذي يصيب الاجتماع الإنساني عبر التاريخ، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها؛ فالتغيير الذي يصيب الاجتماع الإنساني هو "دورات متواليات" وليس خطًّا مستقيمًا، صاعدًا نحو الصلاح أو هابطًا نحو الفساد.. هو "دورات" يتعاقب فيها العدل والجور والصلاح والفساد، مع التدرج والتطور في هذا التغيير نحو الصلاح أو الفساد.

وفي هذا الحديث النبوي الشريف الذي جاء نبوءة حاكمة لكل ألوان التغير وعوالمه في الاجتماع الإنساني يقول رسول الله ‏"‏لا يلبث‏ الجور بعدي‏ ‏إلا قليلاً حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله، حتى يولد في‏ الجور ‏من لا يعرف غيره، ثم يأتي الله تبارك وتعالى بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله حتى يولَد في العدل من لا يعرف غيره".

فدورات العدل والجور وحقب الصلاح والفساد هي السنة التي تحكم سير الاجتماع الإنساني. والتغيير في هذه الدورات محكوم بسنة التدرج، فبقدر الجور والفساد الذي يظهر وينمو يكون قدر العدل والصلاح الذي يتوارى، وكذلك الحال في الدورات العكسية، حتى لكأننا أمام التدرج في ظاهرتي الشروق والغروب للشمس مثلاً دونما "طفرة" أو "انقلاب فجائي". بل إن ما يحسبه البعض "طفرة" أو "فجأة"، إنما هي لحظة في سلك التدرج وتوالي التطور والتغيير.

والذين يفقهون حقيقة التغيرات التي أصابت الاجتماع الإسلامي بعد عصر النبوة، سواء منها التغيرات السلبية أو الإيجابية، والفساد الطارئ منها أو الإصلاح الذي غالَب الفسادَ وتدافع معه، سيجدون المصداق والتصديق لهذه السنة -سنة التدرج في التغيير- التي تحدث عنها هذا الحديث الشريف لرسول الله .

فالتغيرات التي أصابت نموذج العصر النبوي والعصر الراشدي، والتي جاءت من وافد مواريث البلاد المفتوحة وثقافات الشعوب التي دخلت في إطار الرعية والأمة بأسرع مما غيرت نفوسها قيم الإسلام

المزيد


سنة التدرج في الإصلاح( 1 ) ..

مايو 8th, 2011 كتبها badrm2003.maktoobblog.com نشر في , مقالات د. محمد عمارة

 

 

 

بقلم د. محمد عمارة

مفكر إسلامي

التدرّج سُنّة من سنن الله ، وقانون من القوانين الكونية التي لا تبديل لها ولا تحويل، هو سنة من سنن الخلق الإلهي للكون والعالم بسمواته وأراضيه {إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} [الأعراف: 54]. فتدرَّج خلقُ الله لها في ستة أيام -من أيامه سبحانه- وهو القادر على أن يقول لها في جزء من اللحظة كن فتكون.

والتدرج سنة من سنن الله في خلقه للإنسان الأول آدم عليه السلام وبعد المراحل الخمسة (التراب فالماء فالطين فالحمأ المسنون فالصلصال) كانت مرحلة النفخ الإلهي في "مادة" هذا الخلق من "روح الله"، فكان أن استوى هذا المخلوق "إنسانًا"، هو آدم {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} [آل عمران: 59]، {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ} [السجدة: 7]، {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر:28، 29].

وبسنة التدرج عبر الأطوار والمراحل كان خلق الله وتكوينه لكل مخلوق من ذرية آدم {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12- 14]. فكان التدرج سنة كونية مطردة في خلق الله للعالم وللإنسان الأول ولكل إنسان.

كذلك شاء الله سبحانه أن يكون التدرج والتطور سنة مطردة في مسيرة الشرائع السماوية التي جعلها سبحانه "لطفًا" لهداية الإنسان، فمع وحدة الدين عبر حقب وأمم النبوات والرسالات كان تدرج وتطور الشرائع مع واقع هذه الأمم، ومع نمو المستوى العقلي لأمم هذه الرسالات

المزيد


التالي