
في احتفالية نظمها "مركز الإعلام العربي" بالقاهرة لتكريمه:
الدكتور محمد عمارة .. مفكر الوسطية والتجديد
استكمالا لسلسلة احتفاليات مركز الإعلام العربي ومجلة الرسالة بالقامات الفكرية والدعوية الكبيرة، تم الاحتفاء بالمفكر الإسلامي الكبير الدكتور محمد عمارة بمناسبة بلوغه الثمانين بالقاعة الكبرى بنقابة الصحفيين بالقاهرة مساء الثلاثاء 2 نوفمبر الجاري.
حضر الاحتفالية التي حملت عنوان "محمد عمارة .. مفكر الوسطية والتجديد"، عدد كبير من رموز التيار الإسلامي بمصر؛ سواء أكانوا مفكرين كالدكتور يوسف القرضاوي والمستشار طارق البشري ود. أحمد كمال أبو المجد ود. سيد دسوقي حسن ود. عبد الحليم عويس ود. حسن الشافعي، أو من الحركيين كالمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين: الحالي د. محمد بديع، والسابق أ. محمد مهدي عاكف .. أو علماء الأزهر الشريف مثل د. محمد المختار المهدي والشيخ السيد عسكر ود. مروان شاهين ود. محمد السيد جبريل ود. آمنة نصير أو الكتاب الإسلاميين مثل أ. فهمي هويدي وأ. جمال سلطان وأ. بدر محمد بدر وأ. محمد عبد القدوس، ونخبة من النقاد والأدباء مثل د. نهى الزيني ود. جابر قميحة ود. عبد اللطيف عامر ود. محي الدين عطية.
وجاءت أولى كلمات الحفل للأستاذ صلاح عبد المقصود ـ مدير مركز الإعلام العربي، ورئيس تحرير مجلة الرسالة ـ الذي رحب بالحضور مؤكدا أن الاحتفاء بالدكتور محمد عمارة هو"احتفال بالفكرة المتوجة بنور الحق وعزة الإسلام، والموقف الواضح الذي يستجلي الحقيقة، ويدحض الزيف، والرؤية الثاقبة المستمدة من وسطية عقيدتنا ورحابة ديننا".
وأضاف: لقد بذل مفكرنا الكبير عمره جهادا ورباطا على ثغور الإسلام، وانضوى تحت لواء مدرسة الإحياء والتجديد، ليحفر في صحراء الجمود والغلو أنهارا للإصلاح والإبداع الفكري، المؤسس على المرجعية الإسلامية، والمنفتح على الآفاق الحضارية، بخطى تعرف طريقها الوسطي المعتدل بين الإفراط والتفريط.
مؤسسة علمية
وقال المستشار طارق البشري المؤرخ والنائب السابق لرئيس مجلس الدولة المصري: إن الدكتور محمد عمارة دليله في يده مما سطره من بحوث، وهو يركب الصعاب ويصعد الشواهق، وهو مثل فذ في الجمع بين المسلك الأخلاقي والمنهج العلمي، مشيرا إلى أن الجهد الخلاق الذي بذله د. عمارة في التحقيق والتدقيق بعد الجمع لا يرقى إليه إلا عمل الهيئات والمؤسسات و"الرجال الأكفاء"، فهو رجل يساوي مؤسسة، مذكرا بذلك الجهد الفائق الذي تناول فيه القضايا الفكرية الشائكة، ومنبها لإنتاجه في مجال الفكر السياسي، وأعماله الدينية على تنوعها.
وألقى المستشار البشري الضوء على التجربة النقدية الفكرية التي بدأت منذ السبعينيات وجمعته مع محمد عمارة والراحل الأستاذ عادل حسين الأمين العام السابق لحزب العمل المصري؛ ذلك المثلث الذي جمعه حب مصر، وعبر عن الحالة الفكرية التي سادت البلاد في هذا التوقيت، لتصل بثلاثتهم في نهاية المطاف وتستقر في الباحة الإسلامية.
كما تحدث المستشار طارق البشري عن الفصام النسبي الذي شهده مطلع القرن العشرين بين المحافظين والمجددين في الفكر الإسلامي، مشيرا إلى أن ذلك الفصام قد بدأ في التلاشي لاحقا على يد الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ والدكتور يوسف القرضاوي ـ أكرمه الله ـ الذين جمع منهجهما ما بين الدفاع عن ثوابت الدين، والاستجابة للحاجات المتجددة للأمة على صعيدي الفقه والفكر معاً.
ونبه المستشار البشري إلى أن الدكتور محمد عمارة قد لحق بهذا الركب جامعا في منهجه ما بين هذين البعدين (المحافظة والتجديد) متحملا عبأهما، متبتلا لهذا الثغر الخطير ، عازفا عن المنصب والمال في سبيل القيام عليه.
وفي كلمتها، تحدثت د. نادية مصطفى أستاذة العلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة مؤكدة أن "أزمة المجتمعات الإسلامية ليست أزمة موارد، وإنما هي أزمة مناهج".
وقالت:" إن تركيزنا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية وفي مركز الدراسات الحضارية على قضية المنهج، وقضية المنظور الحضاري هو ما يمثل لنا نقطة التقاء وانطلاق للاهتمام بفكر وإنتاج الدكتور محمد عمارة باعتباره نموذجا ليس فقط للحق وإنما للحق القوي الذي تجاوز الكلمات للمواقف الوطنية المتميزة، وإن أهم ما يميز عمارة التعددية في روافد فكره، والاهتمام بمصادر المعلومات، وتناول المفاهيم المقارنة بين الإسلام والغرب، وتدشين مفاهيم جديدة وتأصيلها والانفتاح على المصادر المعرفية الأخرى مع المقدرة على تحديد الغث من الثمين".
في خندق الدفاع عن الإسلام
وفي كلمته، أكد الدكتور أحمد كمال أبو المجد وزير الإعلام المصري الأسبق أن العالم يعيش أزمة شديدة بسبب المؤامرة على الإسلام عقيدة وشريعة ومنهاجا، وأن هذا العالم في غمار هذه الأزمات يحتاج أشد ما يحتاج إلى العلماء الحكماء، الذين يذودون عن الإسلام إرجاف المرجفين وافتراء المفترين، والذين يهتمون بالقضايا المهمة الدائرة في الواقع المعاصر، ويفهمون النص ويعملون بمقتضاه.
وأكد د. أبو المجد أن عمارة يعد من هؤلاء العلماء الذين وضعوا أنفسهم في خندق الدفاع عن الإسلام.
وأشار إلى أن الطريق الذي سلكه الدكتور عمارة هو الطريق الذي كان يتمناه لنفسه؛ لكنه لم يوفق إليه، وقال :" لطالما غبطت الدكتور عمارة على ما يقوم به من جهد في التدقيق والتحقيق؛ وفي نسبة الأقوال إلى أهلها أما أنا فقد شغلتني شواغل عديدة حتى أصبحت أقول إن عصمتي في هذه الحياة لم تعد بيدي ".
وتحدث د. حسن الشافعي عضو مجمع اللغة العربية وأستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة فقال: إن الدكتور محمد عمارة ليس محتاجا لتسليط الأضواء عليه، بل ربما هو يعاني منها، إذ يشغل مساحة واسعة من الثقافة العربية المعاصرة بما يقدمه من كتب ومقالات مهمة، وأعتقد أن سؤال عمارة الأساسي كان عن النهضة، وهي تمثل النقطة المحورية التي دارت حولها سائر أعماله الفكرية، وهو ليس فقط باحثاً عنها وإنما مشاركا فيها.
وهنا أستدعي ما تعلمناه من فضيلة المرحوم بإذن الله الدكتور عبد الحليم محمود من أن المفكر فكرة واحدة أو خط واحد والباقي يأتي تنويعات عليه، فعمارة عني بسؤال النهضة، عني بما يمكن أن يحركها، وعني بما يمكن أن يعطل طريقها.
وما أحب أن أؤكد عليه هو أن عمارة كان ولا زال أزهرياً حتى النخاع، ولا زلت أؤكد أن حب عمارة الأول والأخير كان هو الأزهر، وهو حين يجيب على قضية حوارية تراه يتحدث وكأنه محمد عبده.
وأشار د. حسن الشافعي إلى أن د. عمارة لا يقتصر في أعماله النقدية على نقد العلمانية والماركسية وغيرهما من الأفكار الشاذة، وإنما امتد نقده أيضاً للحركات الإسلامية.
العالم الموسوعي
ووصف الدكتور عبد الحليم عويس أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية د. عمارة بأنه موسوعيا في عصر ندر فيه الموسوعيين، وأنه يذكرنا بسيرة العلماء والمفكرين الأجلاء من أمثال محب الدين الخطيب ومحمد فريد وجدي، وهو متفرغ تفرغاً كاملاً للعلم، تظهر في كتاباته الأصالة والمعاصرة، دقيق جدا في استخدام المصطلحات وتحليلها، وهو يمزج في كتاباته بين القومية والوطنية والإسلامية؛ وهي مسألة أصبحت مستقرة في ذهنه تماما بعد أن التحق بمدرسة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله.
أما رئيس مجلس إدارة الجمعيات الشرعية في مصر وعضو مجمع البحوث الإسلامية الدكتور محمد المختار المهدي فخلص إلى أن الدكتور عمارة في نظره قيمة وقامة، أما أنه قيمة فنظرا لشخصيته العلمية المجددة، وأما أنه قامة فنظرا للأخلاق والقيم التي يحملها ويسير بها، فعمارة كان ولا زال " يقذف بالحق على الباطل فيدمغه " في وقت فشى فيه الباطل وامتد.
وأعلن د. المهدي عن ترشيح الجمعية الشرعية للدكتور عمارة لنيل جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، باعتباره أجدر من يستحقها.
ووصف الدكتور جابر قميحة – أستاذ الأدب العربي بجامعة عين شمس – الدكتور عمارة بأنه علم في معركة التحدي والتصدي؛ عاش حياته بين الانتصار للإسلام والتحدي والتصدي ومواجهة أعدائه، يت
المزيد