عرض / بدر محمد بدر
هذا الكتاب هو أحدث ما صدر من مؤلفات المفكر الموسوعي الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري, والذي كتب مقدمته قبل أشهر قليلة من وفاته في يوليو / تموز الماضي, وفيه يكشف عن أزمة تعريف : من هو اليهودي؟ وما هي اليهودية؟ وبالتالي فقدان الأساس " الديني " لدولة " إسرائيل ", وانهيار شعار " يهودية " الدولة, الذي طرح في الآونة الأخيرة.
ويتكون الكتاب من ثلاثة أبواب وأحد عشر فصلاً ومقدمة أشار فيها المؤلف إلى أن قضية تعريف من هو اليهودي, ليست دينية أو سياسية وحسب, بل قضية مصيرية تنصرف إلى رؤية العالم والذات, وإلى الأساس الذي يستند إليه تضامن المجتمع الصهيوني, وإلى مصادر شرعيتة.
والفشل في تعريف " اليهودي " يضعف من مقدرة إسرائيل التعبوية, بل ويضرب أسطورة الشرعية الصهيونية في الصميم, والمثير ـ كما يقول المؤلف ـ أن الصهاينة يدركون هذا تمام الإدراك, ومن هنا يأتي إصرارهم على مايسمونه " تهويد " كل شئ في فلسطين : التاريخ والآثار وأسماء القرى والمدن والبلدات, بل تزيد الشهية وتتسع الشهوة وتسمي أراضي الضفة الغربية وغزة " يهودا والسامرة "!.
الدعم الأميركي والغياب العربي
ويقول المؤلف إن البعض يتصور أن أزمة " التجمع " الصهيوني, في تنوعها واحتدامها وتصاعدها, ستؤدي إلى انهياره من الداخل, بل يتصورون أنني أبشر بهذا " الوهم ", وهذا أبعد ما يكون عن الحقيقة, وأنا أذهب إلى أن المجتمع الصهيوني لن ينهار من الداخل, لأن مقومات حياته ليست من داخله وإنما من خارجه, إذ يوجد عنصران يضمنان استمراره, رغم كل ما يعتمل داخله من تناقضات وهما : الدعم الأميركي والغياب العربي.
وفي الباب الأول يتحدث الدكتور المسيري عن " تنوع الهويات اليهودية " وعدم وجود هوية يهودية واحدة, فهناك ثلاث جماعات يهودية أساسية, يؤمن أعضاؤها باليهودية الحاخامية وهي : السفارد والإشكناز والإسرائيليين, بينما توجد عشرات من الجماعات الصغيرة الهامشية, تؤمن بأشكال من اليهودية مختلفة بدرجات متفاوتة, ورغم تنوع هويات أعضاء الجماعات اليهودية, يدعى الصهاينة أن ثمة " وحدة يهودية عالمية ", وهو تصور أبعد ما يكون عن واقع أعضاء الجماعات اليهودية.
فمثلاً من الجماعات اليهودية الهامشية توجد أنواع أربعة في الهند, لاتنتمي إلى أي من الكتل الثلاث الرئيسية, كما أن جماعة يهود الصين تختلف عن جماعات الهند, وفي القوقاز هناك يهود جورجيا ويهود بخاري ويهود الجبال, وهناك " اليهود السود " الذين منهم الفلاشاه والعبرانيين السود, والنوع الأول يعيشون في أثيوبيا, أما العبرانيون فيعيشون في أميركا, وهناك أيضاً جماعات سوداء يهودية في غرب أفريقيا, بالإضافة إلى اليهود المستعربة, الذين عاشوا في البلاد العربية وأصبحوا عرباً, وهناك السامريون الذين يعيشون في نابلس الآن, وهناك أيضاً القراءون, ويهود الدونمة, ويهود شبه جزيرة القرم واليهود الأكراد, واليهود الإيرانيون وغيرهم الكثير والكثير, مما لايمكن معه القول بوجود " وحدة يهودية عالمية ", حيث كل هؤلاء لا يختلفون عن أهل المناطق التي يعيشون فيها, فاليهودي العربي مثلاً يتكلم العربية وهو جزء من الثقافة والحضارة والسلوك في المنطقة, وهكذا.
ثلاثة أقسام
ويقسم الكتاب الهوية اليهودية الآن في العالم إلى ثلاثة أقسام أساسية :
1 ـ خارج فلسطين المحتلة : وهي هوية ذات ملامح يهودية عرقية أو دينية, والبعد اليهودي فيها هامشي باهت, لايؤثر كثيراً في سلوك أعضاء الجماعات اليهودية.
المزيد