
"صوت الحق والحرية" تحاور أكبر معمر مصري حصل على الدكتوراه في الشريعة الإسلامية في العالم!
الدكتور محمد فريد عبد الخالق:
· الحسبة نظام إسلامي فذ يحقق الرقابة الشعبية على الأنظمة والحكومات
· الحسبة على ذوي الجاه والسلطان تشكل كبرى الضمانات الشرعية للحريات العامة والحقوق الأساسية للإنسان ضد الظلم والاستبداد
أجرى الحوار في القاهرة: بدر محمد بدر
في واحدة من اللحظات التاريخية النادرة, حصل الباحث الأستاذ محمد فريد عبد الخالق على درجة الدكتوراه, بدرجة ممتاز مع مرتبة الشرف من كلية الحقوق جامعة القاهرة في نوفمبر من العام الماضي, بينما كان قد أوشك أن يكمل عامه الرابع والتسعين, ليصبح بذلك أكبر معمر في التاريخ الحديث يحصل على هذه الدرجة العلمية, وكان موضوع الدراسة "الاحتساب على ذوي الجاه والسلطان".
سعينا إلى محاورة هذا الباحث الدءوب, الذي قال لنا إنه أمضى أكثر من ثلاثين عاما في التحضير لهذه الرسالة العلمية.. فما هي الحسبة؟ وما هي وظيفتها وأهميتها؟ وكيف نطبقها في عصرنا الحالي؟.. هذه وغيرها من أسئلة, طرحناها عليه في هذا الحوار, فإلى التفاصيل:
· بداية ما معنى الحسبة؟ وما هي أوصافها؟
** تعددت أوصاف الحسبة عند العلماء بالارتكاز على تكييفها وما تتضمنه من أفعال, فالحسبة هي "رقابة إدارية واجتماعية وبوليسية", لتعلق واجب الحسبة بمراقبة الأخلاق والدين والآداب العامة والاقتصاد والأسواق وغيرها, أي مجال نشاط الأفراد وتقوم بها الدولة عن طريق موظفين خاصين تحقيقا للعدل والفضيلة, وفقا للمبادئ المقررة في الشرع الإسلامي، وللأعراف المألوفة في كل بيئة وزمان, والحسبة ولاية شرعية ووظيفة دينية، وهي مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وغايتها إقامة مجتمع إسلامي تكون فيه كلمة الله هي العليا، ومهمتها حماية المجتمع من الانحرافات والمفاسد.
· وما هي وظائفها في المجتمع الإسلامي؟
** وظيفة الحسبة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, كواجب ألقاه الشرع الإسلامي على كل مسلم مكلف قادر، ولذلك كان الواجب على كل من تتوافر فيه شروط الاحتساب أن يقوم بها, والوظيفة السياسية للحسبة في المجتمع والدولة على السواء بالغة الأهمية والحيوية، بحيث نعتبرها جزءا أساسيا من المشروع الحضاري الإسلامي المتكامل, الذي يستهدفه المسلمون عامة وعلماء الأمة ومفكروها الإسلاميون خاصة، ويجدون في إحياء وظيفة الحسبة عامة وعلى ذوي السلطان والجاه خاصة, أداتنا الإسلامية للإصلاح السياسي والدستوري, الذي يمثل نقطة البدء في الإصلاح الشامل الاقتصادي والاجتماعي كذلك من منظور الديموقراطية الحقيقية، حيث لا خلاف بين نظام الحكم الإسلامي والنظام الديمقراطي الحق من حيث الجوهر، وهو يتمثل في احترام الحقوق والحريات وإرادة الإنسان وكرامته، ومبدأ الفصل بين السلطات، وتداول السلطة ووحدة الأمة، وتقرير حق الشعب في اختيار حاكمه، وفي الرقابة والحسبة عليه، وفي عزله عند المقتضى، وفي تقرير احترام مباديء الشورى والمعارضة، والمساواة والحرية والعدل والشرعية والقانون, فالحسبة هي المعنية بحماية القيم الدستورية الإسلامية والديمقراطية فلا غرو أن تكون هي الرئة التي تتنفس بها الأمة فعملها تنقية ما فسد من دمها ليعاد ضخه في أجزائها نقيا صالحا لأداء رسالته في تقويتها ونمائها.
· وما أهميتها ودورها في النهوض بالشعوب العربية والإسلامية؟
** تأتي أهمية الحسبة لكون أمتنا العربية والإسلامية تعاني عصر التحديات المصيرية, وتواجهها في مختلف وجوه الحياة المعاصرة, التي تتطلب الاستمساك بهويتها العقدية والثقافية والحضارية، وتعزيز استقلالها ووحدتها وأمنها وقوتها وتكاملها الاقتصادي، وتأكيد كرامة المواطن وتفعيل دوره في تحقيق الإصلاح المنشود، وفي اختيار حكامه وحسابهم عن واجبهم في أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم فيهم بالعدل، فيما يؤدي إلى علو قدرها وأداء رسالتها.
ولا شك أن غيبة الشورى تؤدي إلى جور الحكومات وبغي الحاكمين وإفساد المترفين من ذوي الجاه في الأرض، مما يؤكد أن الشورى هي محور نظام الحكم في الإسلام, وتأتي على رأس حقوق الله التي هي موضوع الاحتساب الذي هو ضمانة شعبية ذات أساس عقدي لحماية نظام الحكم الإسلامي من جور السلطة التنفيذية.
والحسبة على ذوي السلطان تشكل كبرى الضمانات الشرعية للحريات العامة والحقوق الأساسية للإنسان, ضد الظلم والاستبداد الذي تعانيه الشعوب في الدول النامية, ومنها دولنا العربية والإسلامية.
· هل يمكن اعتبارها الحسبة فرض كفاية أم فقط مستحبة ؟
** الحسبة فرض كفاية على المسلمين عامة، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفاية, لأن هذا العمل يتطلب كفاءة عالية ومواهب ممتازة وطول باع في الشريعة، وتفطن للأحوال النفسية والطبائع المختلفة والظروف المتعددة والأحوال الراهنة، وهي صفات لا تتوافر لكل فرد، لأنه لا يصلح إلا لمن علم بالمعروف والمنكر، وكيف يرتب الأمر في إقامته وكيف يباشره، فإن الجاهل ربما نهى عن معروف وأمر بمنكر، وربما عرف الحكم في مذهبه، وجهله في مذهب صاحبه، فنهاه عن غير منكر.
والحسبة تسند إلى من كان أهلا، ولكن المطالب بذلك الجميع, وسوف نجد تطبيق هذا المفهوم واضحا فيما يخص "الحسبة المؤسسية" التي تتم من خلال المجالس التشريعية المنتخبة, المنصوبة للحسبة على ذوي السلطان وهم " السلطة التنفيذية", فأعضاؤها محتسبون وهيئة المنتخبين في الشعب يوكلونهم عنهم في الحسبة أو الرقابة على السلطة, ويظلون بذلك مطالبين بهذا الواجب الكفائي وهو فريضة الحسبة.
ومن شروط الحسبة أن تكون مثمرة وأن يأمن المتصدي للحسبة على نفسه وعرضه وماله وأهله، وتكون الحسبة فرض عين على متولي الحسبة بعد أن كانت مجرد فرض كفاية على الأمة.
وأعتقد أن الناس كافة على اختلاف أنظمة الحكم عامة, وفي ظل نظام الحكم الديمقراطي البرلماني خاصة, يمارسون الحسبة على ذوي السلطان على وجه يتفق مع مفهوم الواجب الكفائي في الإسلام وإن لم يستند إلى أصل ديني واستند إلى أصل عقلي أو دستوري، فالأمة تحمل واجب مقاومة جور حكامها بانتخاب ومراقبة أعضاء البرلمان, الذين اختارتهم بمحض إرادتها.
· هل لها شروط لابد منها؟ ومتى يحجم عنها طالب الحسبة؟
** إذا تحقق المحتسب أو غلب على ظنه أنه لا أثر لاحتسابه، فلا فائدة منه، ولابد ألا يترتب على الاحتساب مضرة أعظم من المنكر الذي ينهى عنه، وإذا علم الشخص أنه سيترتب عليه ضرر أو مكروه فلا تجب عليه الحسبة, بل ربما حرمت عليه في بعض المواضع لجسامة الضرر المترتب عليها, وعند انتفاء ذلك تجب عليه الحسبة لقيام الأمر بها وتوفر القدرة عليها وعدم العذر في تركها.
· وماذا عن تاريخ تطبيق نظام الحسبة, ومدى وعي المسلمين بها حكاما ومحكومين؟
** تقلبت وظيفة المحتسب بين حالي المكانة والهوان, واتساع الاختصاص وضيقه، في العهود التالية لعهد الخلفاء الراشدين، وكانت وظيفة الحسبة ذات أهمية ملحوظة في عهد الأمويين، وكان السلاطين يولونها عناية واهتماما واحتراما، على نحو ما يدل عليه سجلات توليتهم, ولكنها ضعفت في آخر عهد دولة المماليك، وإن ظل الحرص قائما على شغل منصب الحسبة.
وللحسبة تاريخها وتطورها في السعودية قبل تأسيس الدولة ولم تكن ولاية وإنما كانت فردية، وأيضا بعد قيام الدولة حيث نشأت ولاية الاحتساب واتخذت مقرا دائما للمحتسب.
إذن هناك صور أو صياغات مختلفة لنظام الحسبة عرفها تاريخنا الإسلامي في القديم والحديث، ويرجع تاريخ الحسبة إلى صدر الإسلام, ومنذ بداية عصر الخلافة الراشدة مارسها المجتمع الإسلامي في محاربة الفساد والغش والمنكرات, ولكن الحسبة على السلطة التنفيذية كانت في أكثر العهود في حكم الغائبة, في ظل
المزيد