كُتب عليكم القتال وهو كره لكم..
كتبهاbadrm2003.maktoobblog.com ، في 7 مارس 2010 الساعة: 13:22 م
بقلم د. محمد عمارة
مفكر إسلامي
لقد ذهبت أغلب الفلسفات والمذاهب والحضارات - السابقة علي الإسلام واللاحقة بعده, بل وحتي المعاصرة الآن - إلي أن القتل والقتال غريزة مصاحبة للإنسان, وطبيعة من طبائعه, وجبلة مركبة فيه - في الماضي والحاضر والمستقبل.. وفي ظل مختلف الظروف.
لكن الإسلام - وحده - قد تفرد وتميّز بالقول: إن القتال ليس القاعدة في الاجتماع الإنساني, وإنما هو الاستثناء.. وليس طبيعة إنسانية, وإنما هو طارئ علي الطبع الإنساني.. بل لقد ذهب الإسلام إلي أن القتال مفروض علي الإنسان, ومكروه من هذا الإنسان.. ومن ثم فإنه يجب أن يقتصر ويقصر علي حدود الضرورات - التي تقدر بقدرها - لصد العدوان عن الإنسان.. فقال اللّه سبحانه وتعالي: )كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216) وقال رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم: "لا تتمنوا لقاء العدو, واسألوا الله العافية, لكن إذا لقيتموهم فأثبتوا, وأكثروا ذكر اللّه" رواه الدارمي.
فلم يجعل الإسلام القتال والعنف المسلح طبعًا من طبائع الإنسان السوي, وغريزة من غرائزه وجبلة قد طبع عليها هذا الإنسان.. كما لم يحرّم القتال بتعميم وإطلاق, وإنما اتخذ الموقف الوسط عندما جعل القتال استثناء تستدعيه الضرورة المكروهة, لدفع العدوان عن الإنسان.. فكأنه الجراحة الضرورية للبرء من المرض العضال الطارئ علي الإنسان.
ولذلك, حرم الإسلام العدوان.. وجعل القتال ضرورة لرد العدوان عن حرية الاعتقاد الديني, وعن حق الإنسان في العيش الآمن الحر داخل وطنه.. فلم يأذن بالقتال إلا ضد الذين يفتنون المؤمنين في دينهم, أو يخرجونهم من ديارهم, أو يظاهرون ويساعدون علي إخراج المؤمنين من الأوطان والديار.
وفي كل الآيات القرآنية , التي جاء فيها الإذن بالقتال, أو الأمر به, أو التحريض عليه كان ذلك للدفاع ضد الذين يقاتلون المسلمين في دينهم أو يخرجونهم من ديارهم.
.
)أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) (الحج:39) )الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج:40) ولذلك حرم الإسلام العدوان, ونهي عنه: )وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190) هكذا تميز الإسلام عن كل الفلسفات والمذاهب والحضارات , في الموقف من القتل والقتال, فجعله ضرورة مفروضة, ومكروهة, تقدر بقدرها.. وقدرها هو رد العدوان عن الدين وعن الأوطان.
.
عندما يفرض الأعداء القتال علي المؤمنين - بالفتنة في الدين.. أو الإخراج من الديار - ينظم الإسلام نطاق ومقاصد صد عدوان الأعداء المعتدين.. فالمسلمون يردون العدوان عن دينهم وعن أوطانهم, دون انتهاك لحرمة المقدسات, فلا يقاتلون ولا يقتلون في حرم هذه المقدسات, اللهم إلا وقع عدوان الأعداء علي المسلمين عند هذه المقدسات.. فتقوم - عندئذ - الضرورة, التي تقدر بقدرها.. وفي حديث القرآن الكريم عن رد العدوان الذي فرضه المشركون علي المؤمنين يقول: )وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِين َ) (البقرة:191(
)لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8) )إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الممتحنة:9(
وإبان الصراعات الممتدة, تُعقد هدنات ومعاهدات بين أطراف هذه الصراعات.. والإسلام يؤكد علي وجوب الوفاء بالعهود للأعداء المحاربين, فيجعل هذا الوفاء فريضة إسلامية.. وهو يميز بين الأعداء الذين يوفون بعهودهم وبين الذين ينكثون بهذه العهود.. وفي القرآن الكريم:
)إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:4)
يميز الإسلام بين هؤلاء المشركين الذين يوفون بالمعاهدات والعهود, وبين أولئك الذين ينكثون بالعهود:
) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:7(
}أّوّ كيلَّمّا عّاهّديوا عّهًدٍا نَّبّذّهي فّرىيقً مىَنًهيمً بّلً أّكًثّريهيمً لا ييؤًمىنيونّ}[البقرة: 100[
كما يراعي الإسلام حقوق الاستجارة والإجارة, ويحافظ علي أمن المستجيرين وأمانهم, حتي ولو كانوا مشركين من جبهة الأعداء المقاتلين:
:
)وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ )(التوبة: من الآية6(
ويوم فتح مكة [سنة 8 هـ, 629م] أجارت "أم هانئ فاختة بنت أبي طالب" رجلين من بني مخزوم, وأعطت لهما أمانًا - وكانا مطلوبين للقصاص الإسلامي .. ولم يدخلا في الإسلام -.. فلما أراد أخوها علي بن أبي طالب القصاص منهما, رفعت الأمر إلي رسول اللّه صلي اللّه عليه وسلم, فاحترم إجارة المرأة وأمانها, وقال لها: "قد أجرنا من أجرت وأمّنّا من أمّنت يا أم هانئ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات د. محمد عمارة | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج























